فخر الدين الرازي
14
المطالب العالية من العلم الإلهي
التقدير . عند حصول مجموع القدرة مع الداعي ، يمكن أن يحصل الفعل تارة ، وأن لا يحصل أخرى . لأن كل ما كان ممكنا ، لم يلزم من فرض وقوعه محال . فليفرض أن القدرة مع الداعي كان حاصلا ، واستمرا . ثم تارة حصل الفعل ، وأخرى لم يحصل . فهذا الحصول ما كان من العبد البتة ، بل كان لمحض الاتفاق من غير سبب . لأن مجموع القدرة والداعي لما حصل بتمامه . عند عدم الفعل تارة . وعند حصوله أخرى ، ولم يتجدد أمر من الأمور عند حدوث الفعل ، حتى يقال : الفعل إنما حدث في ذلك الوقت لأجله . فعلى هذا التقدير يكون « 1 » حدوث الفعل في ذلك الوقت محض الاتفاق ، ولم يكن ذلك في وسعه ، ولا في اختياره . وهذا أيضا : محض الجبر . لأنه لا سبيل له البتة إلى إيقاع الفعل ، بل إن اتفق وقوعه مع ذلك القدر من القدرة والداعي ، فقد وقع . وإن لم يتفق وقوعه لم يقع . ولم يكن البتة رجحان أحد الطرفين على الآخر ، بأمر من جهة العبد [ البتة « 2 » ] . فثبت : أن المعتزلي . إن قال : إن وقوع الفعل عقيب القدرة والداعي : واجب [ البتة « 3 » ] فقد قال بالجبر ، من حيث لا يشعر به [ وإن قال : إنه غير واجب . فقد قال أيضا بالجبر ، من حيث لا يشعر به « 4 » ] فيثبت : أنه لا يمكنه أن يعبر عن نفي الجبر بعبارة معلومة ، إلا وتلك العبارة مشتملة على الجبر . فإن قال قائل : إني أقول : إن عند حصول القدرة والداعي يقع الفعل ، ولا أقول : إن ذلك الوقوع واجب أو غير واجب . وهذا القدر يكفيني في التعبير « 5 » عن مذهبي . فنقول : هب أنك لا تذكر إلا الوقوع . إلا أنا نقول : ذلك الوقوع . إما أن يكون مع الوجوب ، أو لا مع الوجوب . وعلى كل من التقديرين : فالجبر لازم . فكان الجبر لازما على كل التقديرات .
--> ( 1 ) يكون كل ( م ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) سقط ( ط ، ل ) . ( 4 ) من ( ط ) . ( 5 ) التعيين ( ط ) .